محمد بن عبد الكريم الشهرستاني

714

تفسير الشهرستاني المسمى مفاتيح الأسرار ومصابيح الأبرار

وسرّ آخر : قوله : إِنَّما يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشاءِ أثبت للمبطل أمرا كما أثبت للمحقّ أمرا ، ولكن الأمر إنّما يكون لمن يقول بالأمر ، والقول إنّما يتحقّق لمن يقول بالقول ، ومن أفتى بأن لا أمر لأحد على أحد ، ولا يجب على أحد اتّباع غيره فإنّ العقول متساوية ، ولا فضل لأحد على أحد حتّى يستتبعه ؛ فلا أمر له على الحقيقة ؛ فالأمر على الحقيقة للذي يقول بالأمر ، وهم أولو الأمر ، وللمبطل أمر بالتشابه كما له تعليم وتعلّم بالتشابه . ثمّ أمر الشيطان إنّما يكون بالسوء والفحشاء ، كما أنّ أمر الرحمن إنّما يكون بالحلال الطيّب في المأكولات ، وبالصبر والصلاة في الفعليات ، وبالتسليم والتحكيم في الفكريات والقوليات . والسوء كلّ السوء في حبّ الجاه والشرف ، والفحشاء كلّ الفحشاء في حبّ المال والشهوات ، أو السوء في التقصير والفحشاء في الغلوّ ، والشيطان أبدا يأمرنا بأحد طرفي النقيض ، وهو عن قصد الأمور بعيد وعن الجادّة البيضاء على طرف : الشَّيْطانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشاءِ . فلوعده الفقر يوقع الحرص في النفوس على جمع المال والنساء والبنين ، فيقول : اليوم يومك وغدا تصير فقيرا ؛ فأمسك ما في يدك ، وذلك هو البخل ، وحصّل ما ليس لك وذلك هو الحرص ؛ ولأمره بالفحشاء يوقع الإباحة في النفوس على ارتكاب المعاصي فيقول : اليوم يومك ، وغدا تصير ترابا ، فلا معاد ولا ثواب ولا عقاب ، فافعل ما شئت ، وكل ما اشتهيت ؛ فأبدا هو على طرفي الإفراط والتفريط والغلوّ والتقصير ، وأحدهما هو السوء والآخر هو الفحشاء . وأشدّ من ذلك نكاية أن ينسب كلا الأمرين إلى أمر اللّه تعالى وإذنه وإجازته ، وأن يقولوا على اللّه ما لا يعلمون ، أو ينسب الأمرين إلى آبائهم وأسلافهم ، فيقول : دين آبائكم القديم . قال اللّه تعالى : وَإِذا فَعَلُوا فاحِشَةً قالُوا وَجَدْنا عَلَيْها آباءَنا وَاللَّهُ أَمَرَنا بِها قُلْ إِنَّ اللَّهَ لا يَأْمُرُ بِالْفَحْشاءِ أَ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ ؛ وربّما يقول المبطل على اللّه قولا مرتّبا على اجتهاد ورأي ؛ فيقول : حكمي في ذلك بالحلال والحرام حكم اللّه ؛ وربّما يقول على آبائه قولا مبنيّا على تقليد واتّباع ؛ فإن قال على اللّه شيئا بالظنّ والتخمين ، فيقول اللّه : إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ ، * وإن قال على آبائه بالتقليد والاتّباع فيقول اللّه : أَ وَلَوْ كانَ آباؤُهُمْ لا يَعْقِلُونَ شَيْئاً ( 292 آ ) وَلا يَهْتَدُونَ . يعني أنّ الذي يقلّد غيره